‫الرئيسية‬ مقالات رحيل .. بلا عنوان
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

رحيل .. بلا عنوان

كتب : صالح الدويخ

في صفحات الصحف دائماً هناك سطر صغير يمرّ بسرعة ، سطر يبدأ بـ “انتقل إلى رحمة الله ” ، قد يبدو عادياً إلا أنه يكون آخر ما تبقّى من صحفي عاش حياته وهو يكتب أسماء الآخرين ، بينما لم يكتب أحد اسمه بحروف حقيقية.

الصحفي ذاك الذي عاش بين الظل والضوء، لكنه اختار أن يُنير الطريق لغيره، ويترك نفسه في الخلف ، لم يكن في خريطة التكريمات الرسمية المعتمدة ، ولا في قوائم الأوسمة، ولا في صور الاحتفالات ، لأنه ببساطة كان busy يصنع مجد الكل إلا نفسه ، هو الذي رتّب جملة لمسؤول يوماً فصار المسؤول “حكيماً”، وجمّل فكرة لفنان فصار الفنان “مُلهمًا”، وكتب حكاية لضيف فصار الضيف “بطلاً”، بينما هو بقي صحفياً بلا بطولة، وبلا منصة، وبلا تصفيق.

واقسى من ذلك أنه كان يحمل فوق ظهره أوجاعاً أخرى لا يراها أحد ، أمراضاً لا يتحدث عنها ، وتعباً يخفيه عن عيون الناس ، وإحساساً دائم بأنه خُلق ليُتعب، وليكمل مشيه حتى لو كان يعرج من الداخل ، ومع ذلك لم تكن هناك جهة تسأل عنه، أو مؤسسة تتبنى علاجه، أو صوت رسمي يقول “هذا واحد منّا… وعمره ما قصّر” ، وكأنه خُلق ليُشقى ويظل واقفاً حتى آخر سطر، لأن المهنة لا تؤجل صداعها ولا ترحم تعب أصحابها.

وحين يرحل..يرحل بكل تاريخه ، لا منصة تنعاه غير الجهة التي كان يعمل بها ، ولا جمهور يبكيه ، فقد عاش عمره يكتب أسماء الآخرين، حتى أمسى اسمه غريباً على السطور ، ومع ذلك تبقى الحقيقة أن أثره لا يموت ، يبقى في كل فكرة أثمرت، وفي كل كلمة غيّرت، وفي كل نص أعطى غيره حياة ، يبقى لأنه عاش يقظاً لاخبار الآخرين ، بينما سيرحل بصمت يشبه نقاءه ، ويا لقلوب الصحفيين ..كم رحل منهم رجال كبار و كبار جداً ، بصمت يشبه قلوبهم وبوجع يشبه مهنتهم .

رحم الله كل صحفي حمل الدنيا ولم يشكُ ، رحل وهو يتمنى فقط أن يشعر أحد أنه كان هنا ، كان يكتب ويتألم ويُنجز ..ثم مضى كأنه ما لم يكتب .

 

نهاية المطاف : نكتب حياة الآخرين بينما نذبل في الهامش

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.