
نفتقدهم لأنهم كانوا يشبهوننا
كتب: مفرح الشمري
1
في الكويت لم يكن المذيع مجرد وجه يقرأ النشرة أو يقدم برنامجاً، بل كان جزءاً من تكوين الوعي العام، كان الناس يعرفون المذيع من نبرة صوته قبل أن يظهر اسمه، ويحترمون حضوره قبل أن يتابعوا برنامجه، ولكن اليوم لا نفتقد هذا المذيع فقط بل نحن نفتقد فكرة كيف نصنع مذيعاً بمواصفات الزمن الجميل.
2
الكويت التي قدمت أسماء صنعت ذاكرة الخليج والعرب، لم تكن تصنع مذيعين عابرين للشاشة، بل شخصيات تحمل مشروعاً ثقافياً وإنسانياً، أسماء مثل الراحل محمد السنعوسي الذي كان مدرسة كاملة في الحضور والوعي واللغة والاحترام، وكذلك أمل عبدالله التي مثلت زمن المذيعة الرزينة، حضور هادئ، لغة متزنة، وكاريزما لا تحتاج إلى مبالغة حتى تُحترم، أما ماما أنيسة فلم تكن مجرد مقدمة برامج أطفال، بل ذاكرة تربوية كاملة لجيل خليجي وعربي، كانت تلامس الناس ببساطتها وصدقها قبل أي شيء.
3
نحن لا نشتاق فقط لأسماء رحلت أو غابت، بل نشتاق لمذيعين نتعلم منهم الثقافة والرزانة والاحترام، نشتاق لمذيعين نصفق لهم عندما يظهرون لأنهم يشبهوننا، ونتحسر عليهم عندما يغيبون، نشتاق لصوت يلامسك من الداخل وهو يخاطبك خلف الشاشة أو الميكروفون، فتشعر أن هناك إنساناً حقيقياً يتحدث إليك، لا مجرد شخص يؤدي دوراً أمام الكاميرا أو خلف الميكروفون، لأن المذيع سابقاً كان يقرأ ويتدرب ويتعب سنوات قبل أن يُمنح فرصة الظهور، أما اليوم فبعض المنصات تصنع شهرة سريعة، لكنها لا تصنع أثراً طويلاً.
4
اليوم في مذيعين ومذيعات يمتلكون الحضور والثقافة والرقي والقدرة على الوصول للناس بصدق، خصوصاً في القنوات الحكومية، لكنهم بحاجة إلى دعم حقيقي، وثقة أكبر، ومساحات تظهر إمكانياتهم بعيداً عن الاستهلاك السريع والبحث الدائم عن الترند، لأن الإعلام الحقيقي لا يُبنى بالصوت العالي، بل بالشخصية التي تبقى في ذاكرة المتلقي حتى بعد أن ينطفئ الشاشة أو يقفل «الراديو».