
الإعلام الحقيقي
كتب : ماضي الخميس
انفرد الإعلاميون لعقود طويلة بالتأثير على المجتمع وصُنّاع القرار لأنهم كانوا يملكون (بوابة الوصول) إلى الناس وإلى المعلومة في الوقت نفسه.
في السابق، لم يكن بإمكان أي شخص أن يخاطب الملايين بضغطة زر كما يحدث اليوم، بل كانت أدوات التأثير محدودة ومحصورة في مؤسسات الإعلام التقليدي مثل التلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات، وهذه المؤسسات كانت تحتاج إلى إمكانيات مالية وتنظيمية ومهنية كبيرة، وجيوش من الموظفين والعاملين والمتخصصين بقطاعات مختلفة.. لذلك أصبح الإعلامي هو الوسيط الرئيسي بين الحدث والجمهور، وبين المسؤول والمجتمع.
كان الإعلامي يمتلك عناصر قوة لم تكن متاحة لغيره، فهو الأقرب للمسؤولين.. حضر المؤتمرات واللقاءات الرسمية، ويستطيع الوصول إلى المعلومات قبل الآخرين، كما أنه يمتلك منصة جماهيرية يتابعها الناس يومياً ويثقون بما يُقال فيها.
كما أن المجتمعات العربية تحديداً عاشت لفترات طويلة في ظل إعلام مركزي، وكانت القنوات والصحف المؤثرة محدودة جداً، لذلك أصبح لبعض الإعلاميين حضور يتجاوز المهنة نفسها، فتحولوا إلى رموز للرأي العام وقادة للتوجيه الفكري والاجتماعي والسياسي.
الإعلامي آنذاك لم يكن مجرد ناقل خبر، بل كان صانع صورة، وموجه رأي، ومفسر أحداث، وأحياناً شريكاً غير مباشر في صناعة القرار، لأن المسؤول كان يراقب أثر ما يُكتب ويُقال في الإعلام، ويعرف أن الإعلام قادر على رفع شعبية فكرة أو إسقاطها.
كما أن غياب البدائل الرقمية، كما هو الحال حالياً، منح الإعلاميين (احتكار التأثير)، فالناس لا تعرف إلا ما يُنشر، ولا تناقش إلا ما يظهر في الشاشة أو الصحيفة، بينما اليوم أصبح كل شخص يمتلك منصة، وأصبح الجمهور نفسه منتجاً للمحتوى لا مجرد متلقٍ له.. وهو ما يُعرف حالياً بصحافة المواطن.
استطاع الإعلاميون سابقاً أن يكونوا حلقة وصل آمنة بين متخذ القرار والجمهور.. وكان أصحاب السلطة يسعون لتقريب الإعلاميين بشكل أو بآخر والاستعانة بهم في أعمال استشارية أو تنفيذية.. خاصة ممن يمتلكون رصيداً جماهيرياً ويتمتعون بالثقة لدى الجمهور.
ولهذا تغيرت المعادلة.. فقد انتقل التأثير من (احتكار المنصة) إلى (القدرة على جذب الانتباه).
لكن رغم هذا التحول، يبقى للإعلام الحقيقي ميزة مهمة لا تزال مطلوبة حتى اليوم، وهي المصداقية والخبرة والقدرة على فهم السياقات وتحليلها، بينما يعتمد كثير من المؤثرين على السرعة والانفعال والتفاعل اللحظي.
لذلك يمكن القول إن الإعلاميين قديماً امتلكوا سلطة الوصول، أما اليوم فالمؤثرون يمتلكون سرعة الانتشار، وبين الاثنين تبقى المعركة الحقيقية على ثقة الجمهور