حبيب غلوم: القنوات تتجه نحو الرومانسية بعيدا عن القضايا الاجتماعية.. والجيل الجديد عليه أن يعول على نفسه



تجمعني مهنتي في العمل أحيانا كثيرة مع أسماء فنية عديدة، فأكون على مقربة منهم فأفتح مواضيع الحديث مع الكثير، فتبقى منها أحاديث في الذاكرة، لم تكن كل الأحاديث لمهمة عمل، من حوار صحفي، أو استطلاع، أو حتى طلب تصريح صحفي ولو كان بسيطا، إنما هو حديث عابر، ومن تلك الأحاديث حديثي مع الفنان الإماراتي الخلوق الدكتور حبيب غلوم، كان ذلك أول مرة في مهرجان سينما الطفل في إمارة الشارقة عام 2017، حيث جرتنا الأحاديث معا عن واقع المسرح الخليجي الذي لم يكن واضحا أنه بخير حسب وجهة نظر الدكتور حبيب، فقال لي: “رسالتي في الدكتوراة عن واقع المسرح الخليجي، فقد تعمقت به وبأسباب تراجعه، وهو متراجع إلى اليوم”، فبقت تلك العبارة في ذهني، ليكون هذا المحور سؤالي الأول له في الحوار الذي أجريته معه بينما كان في العاصمة مسقط مشاركا كرئيس لجنة تحكيم مهرجان “سينمانا”، وعلى إطلالة المارينا البحرية في منتجع جبل السيفة تحدث الدكتور عن أمور عديدة وشيقة، فإلى الحوار:

رسالتك في الدكتوراة عن المسرح الخليجي بشكل عام، وقدمتها بناء على وجهة نظرك أن المسرح الخليجي تراجع، منذ نيلك الرسالة وإلى اليوم، كيف أصبح المسرح؟
– المسرح الخليجي تطور تقنيا فقط، في ظل تطور التكنولوجيا، ومن وجهة نظري أن المسرح تراجع أكثر وبشكل كبير في كافة أقطار الوطن العربي، في الإمارات نعتبر أنفسنا محظوظين بوجود حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، فهو حريص على المسرح ومتابعته ومتابعة المشتغلين فيه، وهذا ما أبقى النشاط المسرحي وأعطى المسرحيين فسحة من الأمل، خاصة وأن يده الكريمة وصلت إلى أقطار عربية كثيرة، وأعاد تقريبا 10 مهرجانات مسرحية كانت شبه مغلقة في بلدانها، إضافة إلى مهرجان المسرح العربي الذي يتبناه ويقام كل سنة في دولة عربية، ولكن عندما نتكلم لا نتكلم عن الشارقة فقط، ولا عن الإمارات، ولكن نتكلم عن المسرح العربي بشكل عام، أن يكون هناك مسرح حي في الإمارات ولا يكون في بقية الدول العربي فهذا أمر لا ينفعنا مطلقا، لِمَن نُصَدِّرُ فننا وممن نأخذ، التواصل مهم جدا.

رسالتي للدكتوراة كانت تتكلم أساسا عن هذه المشكلة في وقتها، بدأت بكتابة الرسالة في عام 1995، وناقشت رسالتي في 1999، المشكلة كانت تراجع المسرح في ذلك الوقت، ومن أسباب تراجعها نشاط الدراما التلفزيونية التي سحبت غالبية الفنانين والمسرحين من المسرح إلى الشاشة الساحرة التي تدخل كل بيت، فحضور الفنان من خلالها تصنع له الشهرة والتواجد في كل بيت، كما أن الدراما دخلها المادي أفضل من المسرح، وهذه من الأمور التي ناقشتها في رسالتي، وللأسف أقول إن المسرح تراجع أكثر منذ ذلك الحين.

حينما تقول إن المسرح الخليجي تراجع أكثر، هل تعقد المقارنات بيننا وبين المسرح في الغرب، أم تعقد المقارنات بين ما نحن عليه الآن وما كنا عليه سابقا؟
– حتى المسرح العالمي تراجع، قديما كان المسرح في بريطانيا مثلا يعتمد على فنانين مسرحيين حقيقيين، اليوم هل تعلم ما يحصل في المسارح البريطانية؟! أصبحوا يأتون بمطربين مشهورين ليستقطبوا الجمهور، بمعنى أنهم اتجهوا للمسرح الغنائي، ولتوضيح الفكرة أكثر، أن نقدم مسرحية يشارك فيها أحد النجوم الغنائيين مثل الفنان حسين الجسمي، ليعزز الجسمي من توافد الجمهور وأنا كفنان مسرحي أشبع رغباتي الفنية، هذا هو الحل السحري الجديد، وربما يكون شكلا من أشكال المسرح الجديد، الذي يهدف إلى استقطاب الجمهور وبالتالي تنشيط فكرة شباك التذاكر.

أنت الآن تتحدث عن معيار واحد فقط، وتحدد من خلاله تراجع مسرح من عدمه، وهو حضور الجمهور، هل صحيح ما أقوله؟ ماذا عن المعايير الأخرى مثل النصوص، الإخراج، السينوغرافيا، الديكورات … إلخ؟
– المسرح بلا جمهور لا يعتبر مسرحا، وحتى بقية العناصر التي أشرت إليها لم تشهد التطور ولا عرفت التطور، إذا كانت كل تلك العناصر لا تنجح في جذب الجمهور، فلا يمكننا أن نقول أنها قد تطورت، في النهاية الجمهور هو أساس نجاح العرض المسرحي، عندما يرى الكاتب أن المسرح متراجع والجمهور انصرف عنه، فهذا الكاتب لن يضيع وقته بكتابة نص مسرحي، ربما ينصرف إلى الكتابة الإذاعية أو التلفزيونية، اليوم نجد أن الكثير من الكتاب يكتبون للمشاركة في مسابقات الكتابة المسرحية، وأسماء كثيرة تفوز ربما لا نعرفهم، وللأسف الكثير من النصوص الفائزة لم تترجم إلى أعمال مسرحية، والحال هو في الإمارات وسلطنة عمان على حد سواء، كلنا نعاني من تلك المشكلات في المسرح.

تحدثنا عن الدعم في الإمارات للحركة الفنية عموما، لكن لا زال الفنان الإماراتي يعول على الدعم، أذكر تغريدة لك في اعتزال الفنان الإماراتية سميرة أحمد، حينما ذكرت أن غياب الدعم أدى إلى اعتزالها، هل لا زال الفنان الإماراتي يعول على الدعم، والذي نراه موجودا أساسا؟

– كل الفنانين الخليجيين يعولون على الدعم، ربما الفنان الكويتي الوحيد من خرج من هذه الإشكالية بحكم وجود إيمان حقيقي بالنسبة لبعض المقتدرين في الكويت بالمسرح، فيؤدي ذلك إلى الاستثمار بالحركة الفنية والصرف عليه إيمانا منهم بأنه استثمار ناجح، وما نعانيه في بقية دول المجلس غياب المسؤول المؤمن بالفن، وبالنسبة للفنانة سميرة أحمد، هي سيدة المسرح الأولى في الإمارات، وحتى في الدراما التلفزيونية، وأن تجلس هي في البيت معترضة على عدم وجود الدعم، وهذا كلامها وليس بكلامي، الدعم ليس ماديا فقط، بل حتى في تبني الأفكار، فعندما تقوم بتقديم أفكارها ورُؤاها، وهي الحريصة على ذلك وخاصة في الجوانب الاجتماعية، ولا يتم التعاطي معها فهذا يعني غياب الدعم، الكثير من القنوات والمنتجين أصبح همهم الاتجاه نحو القضايا البسيطة، الرومانسية، التي تلامس مشاعر الشباب، بعيدا عن طرح القضايا الاجتماعية، ومن تلك القضايا المهمة عزوف الشباب عن الزواج من بنت البلد، وكثرة العنوسة، وغيرها من القضايا، القنوات اليوم تريد التركيز على الجوانب الإيجابية، وأنا لا أعرف كيف نعالج قضايانا من خلال تسليط الضوء على الأمور الإيجابية فقط، هنا ما نعنيه بمسألة الدعم.

لنتحدث عن السينما الإماراتية، اليوم نشاهد الكثير من الإنتاج السينمائي الإماراتي، الذين يقدمه الكثير من نجوم التواصل الاجتماعي، هل توافر التقنية اليوم، ووجود شباب مستعد للتمثيل، يحقق معايير الأعمال السينمائية الحقيقية؟
– بالتأكيد لا يحقق، إنتاج أعمال سينمائية بهذه المواصفات نتيجة قصور، ونتيجة غياب الدعم عن السينما الإماراتية والعمانية والخليجية بشكل عام، لذلك أصبح الإنتاج فرديا، أو مؤسسيا بسيطا، واجتهادات شخصية، وهذه كارثة، نحن نتحدث عن صناعة يجب أن تكون ذات أساس، منذ بداية الحركة السينمائية في الإمارات وإلى اليوم لا يوجد دعم، كان هناك مهرجانات، مهرجان دبي السينمائي ومهرجان الخليج السينمائي في دبي، ومهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، ومهرجان أفلام الإمارات في أبوظبي، كل تلك المهرجانات ألغيت، وبعدم وجود هذه المهرجانات أصبح دعم السينما والشباب المشتغل صفر، إلا من شركة “إميج نيشن” في أبوظبي، التي تتبنى الأفلام وفق معايير عالية الجودة، والغالبية العظمى من الشباب الإماراتي بعيد عن تلك المعايير، ولكن من يملك تلك المعايير فتتبناه الشركة، وهي شركة عالمية، ومن آخر أعمالهم السينمائية الإماراتية “الكمين” ويتحدث عن حقبة معينة من تاريخ الإمارات، وبالنسبة للمعايير الصارمة فمن حق الشركة أن تشترط بذلك، لأنها بالنهاية شركة ربحية تبحث عن الجودة ما يحقق لها العوائد.

هل ندمت على مشاركتك في فيلم سينمائي، اطرح هذا السؤال لأني أرى أنه في بعض الأحيان لا يجب أن تشارك أسماء كبيرة في أفلام توصف بأنها متواضعة من ناحية الإخراج والتمثيل والفكرة، ومما اعنيه فيلم بعنوان “حب ملكي” كيف ترى ذلك؟

– صحيح أتفق معك في مسألة المشاركة، ولكن عليك أن تعي أمرا، وهو الدعم، حينما نتحدث عن الدعم، فهو حديث يوجه لنا نحن كذلك، عندما يجتهد البعض في إنتاج عمل سينمائي ويطلب دعمنا بالمشاركة، فأنا من واجبي أن أدعم هذا العمل، وبالحديث عن فيلم “حب ملكي” أرى أنه فيلم جميل ورائع انتج بجهود ذاتية واجتهادات شخصية، ليس دفاعا عن الفيلم بذاته، ولكن دفاعا عن الأسماء التي اجتهدت في إنتاجه، طالما يعتمدون على دعمهم الخاص، الفيلم وإن كان به ضعف في النص كما تفضلت أو في الإخراج، ونحن لا ننفي ذلك، إلا أن به رسالة أردنا إيصالها للناس. كما أن هناك أمرا، الاستمرار مهم جدا، لأننا لو توقفنا فلا الدعم ولا المال سيستطيع إرجاعنا للساحة الفنية.

ماذا عن جديدك في هذا الشهر، شهر رمضان المبارك، وبشكل عام كذلك؟
– لدي عمل من إنتاجي، وهو مسلسل “الزقوم” من تأليف الكاتب إسماعيل عبدالله، وإخراج أحمد المقلة، وبطولة النجم الكبير سعد الفرج، وهيفاء حسين، ونخبة من فناني الخليج، وكما أشارك في مسلسل “سنوات الجريش” من إخراج مناف عبدال، وبطولة الفنانة الكبيرة حياة الفهد، ونخبة كبيرة من الفنانين الخليجيين، وأيضا في مسلسل “عازفة الكمان” وهو مسلسل بوليسي أمني مع الأخوة السوريين، ونجوم كبار من سوريا، وهو من إنتاج إماراتي سوري، وهو عمل مهم، كما عملت 8 حلقات “سيزون” بعنوان “ست الحسن” بطولة هدى حسين، يعرض في أحدى المنصات، هذا بشكل سريع ما أقدمه للجمهور.

وجودك اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، هل تعتقد أنه مهم، وكيف أثر ذلك على علاقتك بالجمهور؟
– طبعا مهم، نحن بحاجة إلى متابعين، والمتابعين بحاجة أن يروا الجانب الآخر من حياتنا، ليست الفنية فقط، ويربطنا بالمتابعين قبل الإعجاب الاحترام، وأنا وزوجتي الفنانة هيفاء حسين نحاول دائما أن نبقى على الاحترام المتبادل بيننا وبين الجمهور المتابع، وبشكل عام نجد من الجمهور المتابع احتراما كبيرا وطراء.

أحيانا تنشر بعض المقاطع دون التبين من مصداقيتها، منها مقطع في انستجرام لفتاة صغيرة تحاول إخافة جدها الذي يقرأ عليها القرآن، على اعتبار أن بها مس من الجن، الناس بشكل كبير اجتزأت المشهد ونشرته على اعتبار أنه حقيقي، وقمت حينها بإرسال المقطع كاملا لك لترى انه مجرد تمثيل ومقلب من الفتاة لجدها، بعدها حذفت أنت المقطع، دون تنبيه متابعيك بأن ما نشرته كان مجرد تمثيل، الأمر الذي قد يسبب في تخوف الكثيرين من المشهد؟
– بالنهاية المهم هو القضية التي تطرح للناس، والهدف منه أن يتعظ الناس، الكثير حرص على أهمية تحصين أبنائهم بالذكر والقرآن، وهي من القضايا الإنسانية التي أحب أن اطرحها من خلال حسابي في منصات التواصل الاجتماعي، ولكن إن وردت ملاحظة أن هذا تمثيل أو تلفيق أو كذب، فأقوم بحذف المقطع، بالتالي الناس تفهم لماذا الحذف، ولا أدخل في متاهة التبرير والتأويل.

بحكم خبرتك، ما هو المعول على الجيل الجديد من الفنانين؟
– على الجيل الجديد أن يعول على نفسه أعتقد، وأن لا يعول على الدعم، خاصة من المؤسسات الحكومية، كما فعلنا نحن، فنحن قد تربينا على الدعم واعتدنا عليه، من الأساس نحن بدأنا مما انتهى عليه الآخرون، بمعنى أن دولنا تعتبر حديثة، من 50 سنة تقريبا، وهذه السنوات الخمسين غير كفيلة بأن تؤسس لمختلف المجالات من الصفر، فحاولت دولنا أن ترفع من كافة المجالات من خلال الدعم المباشر لتواكب التطور الحاصل في ذاك الوقت، فبدأت بدعم الفنون إلى جانب دعم كافة المجالات، فَوُضعت ميزانيات لدعم الثقافة والفنون، ونحن اعتدنا على تلك الميزانية التي تدعم الإنتاج الدرامي والفرق المسرحية والإذاعات وغيرها من المؤسسات التي تنتج الأعمال، وتأسست مؤسسة الإنتاج الخليجي المشترك لدعم الإنتاج الخليجي، ونحن بدأنا منذ تلك الفترة، أي أننا بدأنا مع ذروة الدعم الحكومي للقطاع، أما اليوم مع الاتجاه إلى الخصخصة أصبحت المحطات تتجه إلى الربح، وإذا ما كان هناك دعم فإنه بمثابة تمويل لتسترد المحطات أرباحا، لذلك لم يعد الدعم كما كان في السابق، لذلك أنا أنصح أبنائي اليوم أنهم إذا ما اختاروا الفن، فعليهم أن يضعوه الاختيار الثانوي، وليس الأول كما فعلت أنا وتخصصت بالمسرح، ولن أقبل لأبنائي أن يتخصصوا بالفن، لذلك أحد أبنائي استشاري قلب، وابني الآخر أستاذ جامعي في الهندسة، وابنتي تحضر لدكتوراة في الأدب الانجليزي، وابنتي الأخرى طبيبة ستتخرج بعد شهر تقريبا، والآن إن أراد أحد منهم أن يتجه للفنون فليست لدي أي إشكالية.

عندما درست الفن كنت أعتقد أن له مستقبل، وعندما قدمت رسالتي في الدكتوراة عن المسرح، كان أقراني يسألونني باستنكار ماذا ستفعل بتلك الشهادة؟! كان ردي أنني سأنشئ أكاديمية ومعهدا لتدريس المسرح، وهذا أنا اليوم بعد 23 عاما لا أملك أكاديمية، ولا معهدا، الحياة تغيرت والواقع مختلف، اللهم أكاديمية الفنون الأدائية في الشارقة وأنا عضو مجلس أمناء بها.

ما هي الأعمال التي يرفضها الدكتور حبيب غلوم؟
– الأعمال السطحية، الابتذال، أعمال فيها ما هو ضد سياسة بلدي، وأعمال فيها تجني على الآخر، والأعمال المنافية للدين والمجتمع وللضوابط العامة، تلك من الأعمال التي ارفضها قطعا.

المصدر : جريدة عُمان
حاوره: عامر بن عبدالله الأنصاري


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مواضيع ذات صلة بـ حبيب غلوم: القنوات تتجه نحو الرومانسية بعيدا عن القضايا الاجتماعية.. والجيل الجديد عليه أن يعول على نفسه

جميع الحقوق محفوظة فن الخليج ©

تصميم شركة الفنون