‫الرئيسية‬ مقالات خلط المدارس المسرحية – تناقض فكري أم تهرّب إبداعي؟
مقالات - ‫‫‫‏‫43 ثانية مضت‬

خلط المدارس المسرحية – تناقض فكري أم تهرّب إبداعي؟

كتب: محمد علي القلاف

يُشكّل خلط المدارس المسرحية، كدمج البنية الأرسطية الكلاسيكية مع المسرح الملحمي أو العبثي، إشكالية فكرية حقيقية، إذ لكل مدرسة فلسفتها المستقلة وبنيتها المعمارية الخاصة.

أدرك أن المسرح المعاصر تجاوز كثيرًا من الحدود التقليدية؛ فكسر الجدار الرابع بات أداة لا مدرسة، وكثير من المخرجين والكتّاب يسعون جاهرًا إلى تفكيك القواعد الأرسطية. غير أن هذا التجاوز بلا وعي نظري راسخ يضيّع المتلقي، ويشوّش علاقته بالفن بدلًا من أن يعمّقها. من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تصحيح هذا الخلط.

● شواهد تؤكد خطورة الدمج العشوائي

يقول أوسكار بروكيت في تاريخ المسرح إن للعبثية بنية معمارية مغايرة تمامًا للبناء الأرسطي، وأن الجمع بينهما يُجرّد كليهما من جوهره.

ويذهب مارتن إيسلن، الناقد الذي صاغ مفهوم «مسرح العبث»، إلى أن العبثية منظومة متكاملة قائمة بذاتها، لا طبقة زخرفية تُضاف فوق بناء أرسطي جاهز.

أما الباحثون في المسرح التجريبي فيوضحون أن العبثيين تعمّدوا هدم البنية المحكمة التي ألفها الجمهور؛ فإلغاء العلاقات السببية أجبر المتفرج على أن يعيش الحيرة ذاتها التي تعيشها الشخصيات. وهذا يعني أن من يحافظ على بنية البداية والوسط والنهاية ثم يدّعي العبثية، إنما يناقض الجوهر الفلسفي للعبثية نفسها.

● الدمج الحقيقي مقابل التبرير الزائف

يحتج بعضهم بأن الدمج ضرورة إبداعية، مستشهدين بتجارب كمسرح العتمة والمسرح التشاركي، المعروف أيضًا بالإبداع الجماعي، بوصفها نماذج لتشابك مدارس متعددة لا لهيمنة مدرسة واحدة.

لكن ينبغي التمييز هنا بين أمرين: العمل الإبداعي ذاته، والرؤية النقدية أو الإخراجية أو التأليفية التي تفسّره. فحين يُسأل المخرج أو المؤلف عن طبيعة عمله فيلجأ إلى الخلط تبريرًا، مستترًا بمصطلحات ضخمة، فإن ذلك في الغالب ليس وعيًا جماليًا متقدمًا، بل تهرّب من الإقرار بأن العمل لم تتضح هويته بعد.

صناعة مسرح تشاركي حقيقي تستلزم إلمامًا معرفيًا عميقًا، وثقافة مسرحية واسعة، وقلمًا مقتدرًا قادرًا على تجاوز القواعد بوعي، لا التخلّص منها بجهل.

شكرًا جزيلًا للأستاذ سامي بلال الذي جعلني أكتب هذا الموضوع بعد حوار جميل معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.